نشرة الزاد 20 - عدد خاص عن السودان
نقدّم في هذا العدد مجموعةً من المقالات المنتقاة التي تتناول جوانب اجتماعية وسياسية مختلفة عن الحرب الراهنة في السودان
مرحبًا بكم في العدد العشرين من نشرة "الزّاد"، الصادرة عن الشبكة العربية للعلوم السياسية.
نحرص في كل عدد على انتقاء مجموعة من الأبحاث والمقالات الأكاديمية الحديثة، الصادرة باللغتين العربية والإنجليزية، والتي تتناول مواضيع بحثية متنوّعة من وعن العالم العربي ومحيطه الجغرافي. بدءاً من هذا العدد سنقوم بعرض المقالات بلغةٍ واحدة ولكن بشكل منفصل في نسختين عربية وإنجليزية.
في هذا العدد من الزّاد نقدّم مجموعةً من المقالات المنتقاة التي تتناول جوانب اجتماعية وسياسية مختلفة عن الحرب الراهنة في السودان.
عن سياق هذا العدد:
أدّت الحرب المستمرة في السودان، والتي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023، إلى تغيير جذري في المشهدين السياسي والاجتماعي للبلاد. فبعد أن أشعل فتيلها توترات طويلة الأمد بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول السلطة والسيطرة الاقتصادية والحكم، تصاعد الصراع سريعاً إلى حرب أهلية شاملة، اتسمت بتفتت السلطة وانهيار الحكم المدني وتفاقم الأزمات الإنسانية. وتعود الأسباب الجذرية للحرب إلى التهميش التاريخي، وعدم الاستقرار السياسي الذي أعقب ثورة 2019، والتنافس على الموارد الاقتصادية، لا سيما في الزراعة والثروات المعدنية. وقد أسفر العنف الممتد عن نزوح واسع النطاق، وانهيار البنية التحتية الأساسية، واضطرابات في الخدمات الاجتماعية، وانعدام حاد في الأمن الغذائي، مما فاقم من حدة التفاوتات والتوترات الاجتماعية القائمة. كما أدّى تسييس السياسة إلى إضعاف فرص الانتقال الديمقراطي، في حين أسهمت الانتهاكات المتفشية لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب في توسيع دائرة انعدام الثقة الاجتماعية وتآكل التماسك الوطني. وتشمل التداعيات الاجتماعية للحرب النزوح الجماعي، والفقر المدقع، وانهيار البنى المجتمعية، وتفاقم المظالم القائمة على الهوية. ولا يزال التوصل إلى حل فعّال مقيّداً بتشتت القيادة، وتضارب مصالح النخب، وتأثير وتدخل الجهات الخارجية، مما يؤكد الحاجة إلى مفاوضات سياسية شاملة، وآليات للمساءلة، وإصلاحات شاملة في الحوكمة لمعالجة الأسباب والآثار المتعددة الأبعاد للصراع.
بالاستناد إلى نظريات بناء الدولة، والسياسة الخلافية، وتحليل السياسة الخارجية، تُؤطّر هذه الدراسات مجتمعةً مسار السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال ضمن نمطٍ من ضعف مؤسسات الدولة والقطيعة الدورية بين المجتمع والسلطة. تُصوّر لنا مقالة "الصراع السياسي والقبلي في السودان بين (1989م و2024م): دراسة تحليلية للتأثيرات الاجتماعية والسياسية على تفاعل الدولة مع المجتمع وتشكيل الهوية الوطنية" عدم استقرار السودان بوصفه نتيجة لتسييس الهوية، وعسكرة الحكم، والانقلابات العسكرية المتكررة التي أدّت إلى تآكل الهوية الوطنية وشرعية الدولة. واستكمالاً لهذا المنظور، تُؤطّر مقالة "الحركات الاحتجاجية في السودان ودورها في التحول السياسي والاجتماعي" التعبئة الشعبية، ولا سيما انتفاضة ديسمبر 2018، من خلال عدسة نظرية الحركات الاجتماعية، مُسلطةً الضوء على المشاركة الجماهيرية، والشعارات الوطنية الجامعة، ومفارقة النجاح الثوري الذي أعقبه فشل انتقالي. كما تُوسّع مقالة "التحولات السياسية في السودان (2019- 2025) وتأثيرها على العلاقات الإقليمية" نطاق التحليل الداخلي ليشمل العلاقات الخارجية، مُطبّقةً المنهج المؤسسي التاريخي على السياسة الخارجية السودانية، ومُجادلةً بأنّ الانشقاقات السياسية الداخلية، كثورة 1958 والانتقال السياسي عام 2019، تُعيد تشكيل التحالفات الخارجية بدلاً من تحديدها. تتحدى هذه الدراسة الافتراضات الخطية للتحالف الغربي بعد الانتقال، وتُقدّم بدلاً من ذلك نظريةً حول سلوك السودان الإقليمي باعتباره استراتيجية توازن بين كتلة جامعة الدول العربية الأساسية (مصر، السعودية، الأردن) ودائرة ثانوية من المنطقة (تركيا، إيران، إريتريا)، مع ما يترتب على ذلك من آثار بالغة الأهمية على أمن البحر الأحمر والنظام الإقليمي.
يُنظر إلى اندلاع حرب 15 أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في العديد من الدراسات، على أنه عاملٌ مُسرّع لانهيار الدولة. وفي هذا السياق، تتبنّى دراسة " حساب تكاليف الحرب: تقييم شامل ومتعدد المستويات لأثر النزاع على السودان" إطاراً اقتصادياً سياسياً متعدد المستويات لتوضيح كيف أدّى العنف المتسع إلى تقويض قدرة السودان على الحكم في قطاعات رئيسية، بما فيها: الاقتصاد والصحة والزراعة والتعليم، محوّلًا دولة هشّة إلى دولة شبه عاجزة. وبالمثل، تُصوّر مقالة " الصراع في السودان الأسباب والتداعيات والمآلات المستقبلية"، المستندة إلى نظرية الحروب الجديدة، الصراع على أنه صراع محصلته صفر بين النخب المسلحة، حيث يؤدّي استمرار المواجهة إلى تفاقم الخسائر البشرية والمادية، مع استبعاد أي حل سياسي ذي مغزى. وبالتركيز على هذا الانهيار الكلّي في مجال إنتاج المعرفة، تُنظّر مقالة " دراسة وتحليل أولي لأثر حرب السودان على قطاعي التعليم العالي والبحث العلمي" إلى تدمير الجامعات ومؤسسات البحث بوصفه شكلًا من أشكال العنف البنيوي طويل الأمد. وتُبيّن نتائجها التجريبية حول النزوح، وتعطيل التعليم، والهشاشة المالية بين الأكاديميين والطلاب، كيف تُقوّض الحرب ليس فقط البقاء اللحظي، بل أيضًا تعافي الدولة في المستقبل، والابتكار، والقدرة التنموية.
أمّا على المستويين الخطابي والمجتمعي، فتبرز وسائل الإعلام والسرد بوصفها قوى وسيطة حاسمة بين الصراع والهوية والتحول ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، تستخدم دراسة " سجال الكلمات والرصاص في السودان: تحليل إثنوغرافي رقمي لخطاب حرب الخامس عشر من نيسان/ أبريل" الإثنوغرافيا الرقمية وتحليل الخطاب النقدي لتأطير الحرب بوصفها علاقة تعزيز متبادل بين العنف والخطاب المستقطب، حيث تحشد السرديات الثنائية الدعم من خلال توظيف الاختلافات العرقية والثقافية واللغوية. وتُكمّل مقالة "الممارسات الإعلامية وآفاق نهضة السودان الحديث: دراسة للفرص والتحديات" هذا التحليل بتطبيق نظريات التحديث والاتصال، مُثبتةً تجريبياً أن انخراط وسائل الإعلام في كلّ من التحديات والفرص يرتبط ارتباطاً وثيقاً بآفاق التنمية والنهضة الوطنية. تشير هذه الأعمال مجتمعةً إلى أن التعافي ما بعد الحرب ليس عملية مادية أو مؤسسية فحسب، بل هو عملية خطابية أيضاً. وتُصوّر هذه المقالات مجتمعةً أزمة السودان على أنها تمزق متعدد الأبعاد - سياسي واجتماعي واقتصادي ورمزي - يتطلب حلولاً متعددة الأبعاد أيضاً.



