نشرة الزاد 22 - عدد خاص عن إيران والمنطقة العربية
نقدّم في هذا العدد مجموعةً من المقالات المنتقاة التي تتناول جوانب اجتماعية وسياسية وتاريخية مختلفة حول العلاقة المتشابكة والمعقدة بين إيران والمنطقة العربية
مرحبًا بكم في العدد الثاني والعشرين من نشرة "الزّاد"، الصادرة عن الشبكة العربية للعلوم السياسية.
نحرص في كل عدد على انتقاء مجموعة من الأبحاث والمقالات الأكاديمية الحديثة، الصادرة باللغة العربية والإنجليزية، والتي تتناول مواضيع بحثية متنوّعة من وعن العالم العربي ومحيطه الجغرافي. تتضمن النشرة ملخّصات مختارة لمقالات أكاديمية منشورة في مجلات/دوريات محكّمة. ونتطلع إلى أن تُسهم هذه النشرة، بمحتواها المنتقى، في فتح نوافذ أرحب للبحث والتفكير والنقاش المعرفي.
يختص هذا العدد بمجموعة من المقالات الأكاديمية عن العلاقة المتشابكة تاريخياً وسياسياً بين إيران والمنطقة العربية، ضمن محاور معرفية تربط مجموعة من العوامل والسياقات التي تجعل من هذه العلاقة معقدة وطويلة الأمد وفي سيرورة من التفاوض والصراع.
مقدمة: الحرب والسلطة وإعادة تشكيل العلاقات العربية–الإيرانية
تمثّل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران التي بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026، نقطة تحوّل حاسمة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، حيث حوّلت أنماط التنافس غير المباشر طويلة الأمد إلى مواجهة مباشرة مفتوحة. إن الادعاءات الأمريكية بتحقيق “نصر ساحق” وردود الفعل الإيرانية التي تسعى لرفع تكلفة الحرب على أكبر عدد من دول المنطقة والعالم بل تكشف أيضًا عن صراع أعمق وأسئلة شائكة حول شكل النظام الإقليمي والاستراتيجيات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية التي سوف تنبثق منه.
وفي هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت إيران فاعلًا مركزيًا في المنطقة العربية، بل كيف يُعاد تعريف دورها تحت ضغوط الحرب، وتحولات التحالفات، والقيود الداخلية. واستنادًا إلى طيفٍ واسع من الدراسات الأكاديمية، تطرح هذه النشرة حجة مركزية مفادها أن العلاقات العربية–الإيرانية تُفهم على نحو أفضل بوصفها منظومة ديناميكية تتشكل من تفاعل الهوية التاريخية، والتنافس الجيوسياسي، وإعادة الضبط الاستراتيجي في لحظات الأزمات.
*علم الاجتماع التاريخي وأسس التوتر
تنطلق نقطة البداية لفهم هذه المنظومة من المنظور طويل الأمد الذي تقدّمه دراستا “علم الاجتماع التاريخي للعلاقات العربية–الإيرانية” و “العرب والفرس ما وراء الجغرافيا السياسية للخليج“. إذ تتحدى هاتان الدراستان السرديات التبسيطية التي تفترض وجود صراع أبدي، وتؤكدان بدلًا من ذلك على دور تشكّل الدولة الحديثة، والقومية، وبناء الهوية. وبالمثل، تُبرز دراسة“ التطور التاريخي للعلاقات العربية–الإيرانية” كيف أعادت التحولات التاريخية الكبرى—لا سيما في القرن العشرين—تشكيل التصورات المتبادلة وتوجهات السياسة الخارجية. وتشير هذه الأعمال مجتمعة إلى أن التوترات المعاصرة ليست حتمية، بل هي نتاج تاريخي مرتبط بتطور البُنى السياسية والاجتماعية، لا بانقسامات حضارية ثابتة.
* الثورة والثقافة الاستراتيجية والإسقاط الأيديولوجي
تمثّل الثورة الإيرانية القطيعة الأهم في هذا المسار، كما يتضح في كلٍّ من مقالتي “التطور التاريخي للعلاقات العربية–الإيرانية” و“السياسة الخارجية الإيرانية تجاه المنطقة العربية من منظور الثقافة الاستراتيجية“. فقد أدخلت الثورة بُعدًا أيديولوجيًا ودينيًا في السياسة الخارجية الإيرانية، محوّلةً إياها من فاعل متمركز حول الدولة إلى فاعل حامل لمشروع. ويُحلَّل هذا التحوّل بشكل أعمق في دراسة “ أدوات وتحديات المشروع الإيراني في المنطقة العربية”، التي تصوّر السلوك الإقليمي الإيراني بوصفه مزيجًا من السلطة الدينية والطموح الجيوسياسي. وفي المقابل، تُظهر دراسة “عوامل تراجع القوة الناعمة الإيرانية في المنطقة العربية“ كيف أن هذا المشروع الأيديولوجي، رغم جاذبيته الأولية، قد تآكل تدريجيًا نتيجة تصورات التوسّع والتدخّل.
* الديناميكيات الإقليمية وتوسّع النفوذ
يُطرح موقع إيران ضمن بيئة إقليمية سريعة التحوّل كمثل ما تناقشه مقالتي “ إيران ضمن الديناميات السياسية للشرق الأوسط“ و“إيران والدول العربية: الصراع والتعاون في سياق عدم الاستقرار الإقليمي“. حيث تُظهر هاتان الدراستان كيف أن أحداثًا مثل ثورات الربيع العربي، والحرب العراقية، قد وفّرت فرصًا لإيران لتوسيع نفوذها، لا سيما عبر الفاعلين من غير الدول في العراق وسوريا واليمن. ويُكمّل هذا الطرح ما تقدّمه دراسة “علاقات إيران بالدول العربية: دراسة في الجغرافيا السياسية”، التي تبرز دور الجغرافيا والديموغرافيا والتنافس على الموارد في تشكيل أنماط التعاون والصراع. في حين تضيف مقالة “معركة الطوائف؟ صراع الأدوار بين إيران والسعودية” بُعدًا تحليليًا مهمًا من خلال إظهار أن الطائفية ليست مجرد بنية ثابتة، بل أداة تُستخدم استراتيجيًا لتعزيز التنافس وإخفاء الحسابات الجيوسياسية الأعمق.
* التباينات دون الإقليمية: الخليج والمغرب وأفريقيا
ضمن هذا المحور تكشف الدراسات المطروحة عن تنوّع العلاقات العربية–الإيرانية عبر الأقاليم الفرعية المختلفة. إذ توضّح دراسة “إيران والخليج ومراحل تطور العلاقات القطرية–الإيرانية“ التفاعل المعقّد بين التنافس والانخراط البراغماتي في الخليج، حيث يتعايش الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع التوترات الأمنية. وفي المقابل، تُبرز دراسة أخرى وهي “ العلاقات الجزائرية–الإيرانية وتأثيرها على التوازنات الاستراتيجية في منطقة المغرب العربي” نمطًا مختلفًا من العلاقات تحكمه اعتبارات جيوسياسية أوسع. كما تُوسّع دراسة “ اتجاهات السياسة الخارجية الإيرانية نحو المنطقة العربية في القارة الأفريقية” نطاق التحليل من خلال إبراز سعي إيران لمدّ نفوذها إلى أفريقيا العربية، في حين تؤكد مقالة “الجاليات الإيرانية على الجانب العربي من الخليج” أهمية الروابط الاجتماعية والثقافية التي تتجاوز مستوى الدولة.
* إسرائيل وتحولات الصراع والاستقطاب الإقليمي
يُعدّ تحوّل علاقة إيران بإسرائيل—من التعاون إلى العداء—عنصرًا محوريًا في فهم الاصطفافات الإقليمية الراهنة. وكما توضّح دراسة “ التحولات التاريخية في الصراع الممتد لسبعين عامًا بين إسرائيل وإيران (1948–2019)”، فقد أعاد هذا التحوّل تعريف أولويات إيران الاستراتيجية وأسهم في تعميق الاستقطاب في الشرق الأوسط. ويتعزّز هذا الاتجاه في الصراعات المعاصرة، كما يظهر في مقالة بعنوان “ انعكاسات الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران على مستقبل المكانة الإقليمية الإيرانية”، حيث تُبرز حرب 2025 انتقال المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية من ساحات الوكالة إلى الاشتباك العسكري المباشر، مما يفرض على الدول العربية التعامل مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا.
* السلطة والنزعة التعديلية، وصراع المكانة الإقليمية
ضمن هذا العنوان تتناول دراسة “موقف إيران كقوة تعديلية في ميزان القوى الجديد في الشرق الأوسط“ مسألة المكانة الإقليمية لإيران، حيث تصوّرها كقوة تسعى لإعادة تشكيل توازن القوى. غير أن هذا الطموح يواجه قيودًا خارجية وداخلية على حدّ سواء. وتُظهر مقالة” إيران والمستقبل القلق” كيف تتقاطع الضغوط الداخلية والاقتصادية مع التهديدات الخارجية لتعقيد المسار الاستراتيجي الإيراني. وفي المقابل، تقدّم لنا مقالة “الحوار الثقافي بين إيران و«العالم العربي»: ضروراته ومتطلباته“رؤية بديلة قائمة على التعاون والتكامل بدلًا من التنافس، رغم صعوبة تحقيقها في ظل الظروف الراهنة.
الخاتمة: بين الصراع البنيوي وإعادة الضبط الاستراتيجي
تكشف هذه الدراسات مجتمعة أن العلاقات العربية–الإيرانية تمثّل منظومة معقّدة ومتطوّرة تتشكّل بفعل التراكمات التاريخية، والمشاريع الأيديولوجية، والتحولات الجيوسياسية. وتتمثّل الحجة المركزية لهذه النشرة في أن حرب 2026 لا تمثّل قطيعة مع الماضي بقدر ما تعكس تصعيدًا للديناميكيات القائمة. فهي تكشف حدود المشروع الإقليمي الإيراني، وفي الوقت ذاته تؤكد مركزيته في سياسات الشرق الأوسط.
ومن المرجّح أن يعتمد المسار المستقبلي لهذه العلاقات على قدرة الفاعلين الإقليميين على تجاوز دورات الصراع نحو أشكال أكثر استقرارًا من التفاعل. غير أن المعطيات التي تقدّمها دراسة “ إيران والدول العربية: الصراع والتعاون في سياق عدم الاستقرار الإقليمي“ تشير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار “التنافس المُدار”، حيث يتعايش الصراع والتعاون معًا. وبذلك، لا تتجه العلاقات العربية–الإيرانية نحو الحسم، بل نحو إعادة تفاوض مستمرة، تُشكّلها—كما كان الحال دائمًا—تفاعلات السلطة والهوية والأزمة.


