نشرة الزاد 23 - عدد خاص عن تحولات الطاقة في الجنوب العالمي
يركز عددنا هذا الشهر على الإنتاج الأكاديمي المتعلق بتحولات الطاقة في الجنوب العالمي. ويأتي ذلك ضمن سلسلة جديدة بالتعاون مع مسارات لما بعد النيوليبرالية: أصوات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Pathways
مرحبًا بكم في العدد الثالث والعشرين من نشرة "الزّاد"، الصادرة عن الشبكة العربية للعلوم السياسية.
نحرص في كل عدد على انتقاء مجموعة من الأبحاث والمقالات الأكاديمية الحديثة، الصادرة باللغة العربية والإنجليزية، والتي تتناول مواضيع بحثية متنوّعة من وعن العالم العربي ومحيطه الجغرافي. تتضمن النشرة ملخّصات مختارة لمقالات أكاديمية منشورة في مجلات/دوريات محكّمة. ونتطلع إلى أن تُسهم هذه النشرة، بمحتواها المنتقى، في فتح نوافذ أرحب للبحث والتفكير والنقاش المعرفي.
يركز عددنا هذا الشهر على الإنتاج الأكاديمي المتعلق بتحولات الطاقة في الجنوب العالمي. ويأتي ذلك ضمن سلسلة جديدة بالتعاون مع مسارات لما بعد النيوليبرالية: أصوات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Pathways)، وهو برنامج بحثي مقره في كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة (GAPP) في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC). ويُعد هذا البرنامج جزءاً من مبادرة عالمية تضم جامعات شريكة في الهند وجنوب إفريقيا وكولومبيا والمكسيك، وتركّز على دراسة العلاقة بين الأنظمة الاقتصادية والبُنى السياسية، مع استكشاف نماذج تنموية أكثر عدالة واستدامة.
معاً، نخطط لنشر سلسلة من الأعداد القادمة التي تسلط الضوء على موضوعات متنوعة وتأملات نقدية في الاقتصاد السياسي، وذلك في إطار مشروع مشترك بين APSN وبرنامج Pathways حول الاقتصاد السياسي في الجنوب العالمي.
تكشف الدراسات المعاصرة حول سياسات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد السياسي عن تحوّل عميق في كيفية فهم أنظمة الطاقة داخل الرأسمالية العالمية المعاصرة. فعبر أوروبا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، والجنوب العالمي الأوسع، لم تعد الطاقة تُعامل بوصفها قطاعاً تقنياً أو اقتصادياً فحسب، بل باعتبارها مجالاً استراتيجياً تتقاطع فيه أسئلة السيادة، والبنية التحتية، وحوكمة الأسواق، والتنافس الجيوسياسي، والتحول البيئي. وتُظهر الدراسات المُختارة مجتمعة أن التحولات الطاقية المعاصرة هي عمليات غير متكافئة على نحو عميق، تتشكل بفعل اللامساواة التاريخية، والاعتماد المؤسسي المتراكم، والرؤى المتنافسة للتنمية. وبدلاً من أن تمثل هذه التحولات انتقالاً مباشراً بعيداً عن الوقود الأحفوري، فإن اللحظة الراهنة تكشف عن إعادة تشكيل التبعيات القديمة عبر ترتيبات جيوسياسية وبنيوية جديدة تتمحور حول الغاز والهيدروجين والطاقة المتجددة.
تتمثل إحدى الثيمات المركزية التي تظهر في مقالتي “هشاشة الاتحاد الأوروبي تجاه صدمات أسعار وإمدادات الغاز: دور التناقض بين المعتقدات السياساتية وتحوّلات أسواق الغاز الدولية“ ومقالة**“فاعل ليبرالي في عالم واقعي؟ المفوضية الأوروبية والبُعد الخارجي للسوق الموحدة للطاقة”** في التناقض بين حوكمة الطاقة الليبرالية وبين مشهد الطاقة الجيوسياسي المتنامي. إذ تجادل الدراستان بأن الاتحاد الأوروبي ما يزال ملتزماً مؤسسياً بأطر لبرلة الأسواق والمنافسة، حتى في الوقت الذي أصبحت فيه أسواق الطاقة العالمية محكومة بالندرة والتنافس الاستراتيجي والقومية البُنيوية. لقد أدى اعتماد الاتحاد الأوروبي على عقود الغاز المرنة، والبنية التحتية غير الخاضعة للتنظيم، والمنافسة السوقية، في البداية إلى تحقيق مزايا خلال فترات الوفرة، إلا أن هذه الآليات نفسها أدت إلى هشاشة حادة خلال أزمات الطاقة التي أعقبت جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا. ويُظهر غولدتو وستر كذلك كيف حاولت المفوضية الأوروبية تعميم منطق السوق الموحدة خارج حدود الاتحاد، عبر إسقاط أدوات الحوكمة التنظيمية على المناطق المجاورة وممرات الطاقة. غير أن الأدبيات تشير إلى أن النموذج التنظيمي الليبرالي يواجه بصورة متزايدة عالماً “واقعياً” يصبح فيه أمن الطاقة مرتبطاً ليس بكفاءة السوق، بل بالقدرة على السيطرة الاستراتيجية على البنى التحتية، ومسارات العبور، وعلاقات التوريد طويلة الأمد.
ويُضيء هذا التوتر بين عقلانية السوق وإعادة التشكل الجيوسياسي بصورة أوضح في دراسة “تعميم الاقتصاد السياسي للتحول البنيوي: مقاربة الاقتصاد السياسي البنيوي”. إذ يقدّم كاردينالي ولاندسمان إطاراً نظرياً أوسع لفهم كيفية إعادة تنظيم الأنظمة السياسية-الاقتصادية في ظل الأزمات والتحولات البنيوية. وبدلاً من افتراض وجود مصالح ثابتة أو تشكيلات طبقية مستقرة، يؤكد المقال أن الفاعلين يعيدون باستمرار تفسير مواقعهم ضمن أنظمة متغيرة من الاعتماد المتبادل. وتُعد هذه المقاربة مفيدة بشكل خاص لفهم التحولات الطاقية المعاصرة، حيث تعيد الدول والشركات والتكتلات الإقليمية تعريف أمن الطاقة والتنمية والاستدامة وفقاً للمتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. ومن ثم، تظهر البنية التحتية للطاقة ليس بوصفها أصولاً تقنية فحسب، بل باعتبارها تمثيلات مؤسساتية للنظام السياسي ولمتطلبات الاستقرار الاقتصادي. وهكذا يصبح الانتقال الطاقي عملية متنازعاً عليها تسعى من خلالها قوى مختلفة إلى تثبيت أنماط جديدة من التراكم، والاندماج الإقليمي، والنفوذ الجيوسياسي.
وتبرز العلاقة بين أوروبا وشمال إفريقيا باعتبارها موقعاً مركزياً ضمن هذه العملية من إعادة الهيكلة. ففي دراستي “من الغاز الطبيعي إلى الهيدروجين الأخضر: تطوير وإعادة توظيف البنية التحتية العابرة للحدود التي تربط شمال إفريقيا بأوروبا” ومقالة**”التحول نحو الهيدروجين الأخضر في الدول النامية: حالة الجزائر”**، يتم تقديم الهيدروجين الأخضر بوصفه الجبهة الاستراتيجية الجديدة للعلاقات الطاقية الأورو-متوسطية. وتوضح هاتان الدراستان أن التحول نحو الطاقة المتجددة لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك اللامساواة التاريخية بين أوروبا والجنوب العالمي، بل قد يعيد إنتاجها من خلال أشكال جديدة من التبعية البنيوية والإنتاج الطاقي الموجه للتصدير. إذ تُصوَّر الجزائر ومصر بصورة متزايدة كمورّدين للطاقة “الخضراء” للأسواق الأوروبية، مع إعادة توظيف خطوط الغاز والبنية التحتية التصديرية القائمة لخدمة تجارة الهيدروجين. وعلى الرغم من أن ذلك يفتح مجالات للاستثمار والتطوير التكنولوجي، فإن الدراسات تثير أيضاً تساؤلات حول التوزيع غير المتكافئ للقيمة، والسيادة على البنية التحتية، واحتمال أن تؤدي أجندات إزالة الكربون إلى إعادة إنتاج العلاقات الاستخراجية بأشكال جديدة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم بنى الهيدروجين الأخضر باعتبارها امتداداً لجغرافيات سياسية-اقتصادية أقدم تشكلت حول التبعية لتصدير الطاقة والاندماج غير المتكافئ في الأسواق العالمية.
ويتوسع المنظور الإقليمي بصورة أكبر في دراسات “تطوير وإدارة الطاقة في الشرق الأوسط: تحليل شمولي“ و**«آفاق النفط والغاز الطبيعي: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا“** و**”الجغرافيا الاقتصادية لتبني الطاقة المتجددة في الوطن العربي: دراسة التوزيع الجغرافي لمصادر الطاقة المتجددة والعوامل الاقتصادية المؤثرة على تبنيها“**. وتوضح هذه الأعمال مجتمعة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما تزال مرتبطة بنيوياً باقتصادات الوقود الأحفوري، حتى مع اتساع الاستثمار في الطاقة المتجددة. فالمنطقة تمتلك إمكانات هائلة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلا أن دمج الطاقة المتجددة ما يزال محدوداً بفعل قيود التمويل، وضعف البنية التحتية، وتفاوت القدرات الدولاتية، وعدم الاستقرار الجيوسياسي. ويؤكد هشام خطيب (مؤلف المقالة الثانية في هذه الفقرة) على الاستمرارية المركزية للنفط والغاز داخل النظام الطاقي العالمي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى التناقضات الداخلية، مثل أنظمة الدعم، وتزايد الاستهلاك المحلي، والاعتماد التكنولوجي الخارجي، والصراعات السياسية. كما تكشف الأبحاث الأحدث حول تبني الطاقة المتجددة عن جغرافيات انتقال غير متكافئة، حيث تستقطب دول الخليج والمغرب ومصر النسبة الأكبر من الاستثمارات مقارنة بالدول الأفقر أو المتأثرة بالنزاعات. وتوضح هذه الأنماط أن التحولات الطاقية تتوسطها البنى القائمة للامساواة في الوصول إلى رأس المال، وقدرات الحوكمة، وتطور البنية التحتية.
أما الأبعاد الجيوسياسية للبنية التحتية للطاقة فتصبح أكثر وضوحاً في دراستي “الجيوسياسة وأمن الطاقة: استكشاف شامل للتطورات والتعاونات والاتجاهات المستقبلية” و**”الصراع على الطاقة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط: دراسة في الجغرافيا السياسية”**. إذ تؤكد الدراستان أن أمن الطاقة بات مرتبطاً بصورة متزايدة بالتنافس الجيوسياسي حول الحدود البحرية، والممرات الاستراتيجية، والنفوذ الإقليمي. ويبرز شرق المتوسط بوصفه مثالاً حاسماً تتقاطع فيه اكتشافات الغاز الجديدة مع النزاعات الإقليمية غير المحسومة، والتوترات العسكرية، والتنافس حول المناطق الاقتصادية الخالصة. وبدلاً من أن تؤدي اكتشافات الطاقة تلقائياً إلى التعاون الإقليمي، فإنها كثيراً ما تعمّق الصراعات التاريخية وتنتج أشكالاً جديدة من التفكك الجيوسياسي. ومع ذلك، تشير الأدبيات أيضاً إلى أن المصالح البنيوية المشتركة قد تخلق ضغوطاً نحو التعاون الانتقائي، خصوصاً عندما تدرك الدول الكلفة الاقتصادية لعدم الاستقرار المستمر. وهكذا تعمل البنية التحتية للطاقة في الوقت ذاته كمصدر للصراع، وللتنازع الإقليمي، ولإعادة تشكيل التكامل الإقليمي.
تكشف هذه الدراسات مجتمعةً أن التحولات الطاقية المعاصرة لا يمكن فهمها من خلال الأطر التقنية أو البيئية وحدها، بل ينبغي تحليلها باعتبارها تحولات سياسية-اقتصادية تتشكل بفعل الاعتماد المؤسسي المتراكم، واللامساواة البنيوية، والصراعات الجيوسياسية حول الأراضي والأسواق والسيادة. وتنتقد الأدبيات بصورة جماعية السرديات الخطية لـ”الانتقال الأخضر”، عبر إظهار كيف أن أنظمة الطاقة المتجددة تنشأ غالباً من خلال إعادة تشكيل العلاقات الاستخراجية والجيوسياسية القديمة، لا من خلال تجاوزها. فهشاشة أوروبا الطاقية، والدور المتصاعد لشمال إفريقيا في إنتاج الهيدروجين، والجغرافيات المتنازع عليها في شرق المتوسط، كلها توضح كيف تعمل البنية التحتية كآلية مادية وسياسية يُعاد عبرها إنتاج التراتبيات العالمية والتفاوض عليها.
وعلى المستوى النظري الأوسع، تسهم هذه الأعمال في فهم البنية التحتية للطاقة باعتبارها عنصراً تأسيسياً في النظام العالمي المعاصر. فهي تُظهر أن أنظمة الطاقة ليست مجرد استجابة للطلب الاقتصادي، بل هي تشكيلات استراتيجية تربط بين الأسواق، والدول، والتكنولوجيا، والخيالات الجيوسياسية. وفي سياق الجنوب العالمي، يثير ذلك أسئلة نقدية حول السيادة التنموية، والتبعية البنيوية، وإمكانية تحقيق انتقالات طاقية عادلة ضمن اقتصاد سياسي عالمي غير متكافئ.


