نشرة الزاد 24 - عدد خاص-الرأسمالية وعودة الدولة
يركز عددنا هذا الشهر على الإنتاج الأكاديمي المتعلق برأسمالية الدولة. ويأتي ذلك ضمن سلسلة جديدة بالتعاون مع مسارات لما بعد النيوليبرالية: أصوات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Pathways
مرحبًا بكم في العدد الرابع والعشرين من نشرة "الزّاد"، الصادرة عن الشبكة العربية للعلوم السياسية.
نحرص في كل عدد على انتقاء مجموعة من الأبحاث والمقالات الأكاديمية الحديثة، الصادرة باللغة العربية والإنجليزية، والتي تتناول مواضيع بحثية متنوّعة من وعن العالم العربي ومحيطه الجغرافي. تتضمن النشرة ملخّصات مختارة لمقالات أكاديمية منشورة في مجلات/دوريات محكّمة. ونتطلع إلى أن تُسهم هذه النشرة، بمحتواها المنتقى، في فتح نوافذ أرحب للبحث والتفكير والنقاش المعرفي.
يركز عددنا هذا الشهر على الإنتاج الأكاديمي المتعلق برأسمالية الدولة وإعادة تشكيل الرأسمالية المعاصرة. ويأتي ذلك ضمن سلسلة جديدة بالتعاون مع مسارات لما بعد النيوليبرالية: أصوات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Pathways)، وهو برنامج بحثي مقره في كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة (GAPP) في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC). ويُعد هذا البرنامج جزءًا من مبادرة عالمية تضم جامعات شريكة في الهند وجنوب إفريقيا وكولومبيا والمكسيك، وتركّز على دراسة العلاقة بين الأنظمة الاقتصادية والبُنى السياسية، مع استكشاف نماذج تنموية أكثر عدالة واستدامة.
معًا، نخطط لنشر سلسلة من الأعداد القادمة التي تسلط الضوء على موضوعات متنوعة وتأملات نقدية في الاقتصاد السياسي، وذلك في إطار مشروع مشترك بين APSN وبرنامج Pathways حول الاقتصاد السياسي في الجنوب العالمي. لقد أصدرنا العدد الخاص الأول بهذه السلسلة من نشرة الزاد الشهر الماضي بعنوان تحولات الطاقة في الجنوب العالمي، وهذا هو العدد الثاني عن رأسمالية الدولة. بالإضافة لذلك، سيكون هناك أعداد خاصة من نشرة الدال حول الكتب المتعلقة بحقل الاقتصاد السياسي.
شهد مفهوم رأسمالية الدولة عودة قوية إلى واجهة النقاشات الأكاديمية خلال العقدين الأخيرين، بالتزامن مع التحولات العميقة التي طرأت على الاقتصاد العالمي وتزايد حضور الدول في عمليات الاستثمار والتخطيط الاقتصادي والتنمية. وقد دفعت هذه التحولات العديد من الباحثين إلى إعادة النظر في الفرضية التقليدية التي تفصل بين الدولة والسوق، والبحث بدلاً من ذلك في الكيفية التي تتشابك بها السلطة السياسية مع عمليات التراكم الرأسمالي. وفي هذا السياق، لم تعد رأسمالية الدولة تُفهم بوصفها انحرافاً عن الرأسمالية الليبرالية، بل باعتبارها أحد أشكال تطورها التاريخي المعاصر.
وتبدأ هذه المراجعة من الإسهام النظري الذي قدمه ناثان سبيربر في دراسته “الحيوات المتعددة لرأسمالية الدولة: من الماركسية الكلاسيكية إلى الدفاع عن السوق الحرة“، حيث يوضح أن مفهوم رأسمالية الدولة يمتلك تاريخاً فكرياً طويلاً ومتغيراً، وأن استخداماته النظرية ارتبطت دائماً بالسياقات السياسية والاقتصادية السائدة. فمنذ النقاشات الماركسية في أواخر القرن التاسع عشر مروراً بالتجارب الفاشية والسوفييتية وصولاً إلى الاقتصادات الصاعدة في القرن الحادي والعشرين، ظل المفهوم يتغير تبعاً للتحولات التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تكشف أن رأسمالية الدولة ليست نموذجاً اقتصادياً ثابتاً، بل إطاراً تفسيرياً لفهم العلاقة المتغيرة بين الدولة ورأس المال عبر التاريخ.
وانطلاقاً من هذا الأساس النظري، يسعى إلياس علامي وآدم ديكسون في دراسة “رأسمالية الدولة غير المتكافئة والمركبة“ إلى تجاوز التصورات الثنائية التي تضع رأسمالية الدولة في مواجهة الرأسمالية الليبرالية. ويجادلان بأن التوسع المعاصر لدور الدولة لا يمثل خروجاً عن الرأسمالية، بل يعكس عملية عالمية لإعادة هيكلة الدولة الرأسمالية نفسها. فالدول باتت تؤدي أدواراً متزايدة بوصفها مالكة لرأس المال ومنظمة للأسواق ومحفزة للاستثمار، في إطار تحولات عالمية ترتبط بإعادة تنظيم العمل والإنتاج والتكنولوجيا. ويُكمل الباحثان هذا التحليل في دراستهما “الجغرافيات الغريبة لرأسمالية الدولة الجديدة“، حيث يوضحان أن مفهوم رأسمالية الدولة أصبح أداة جيوسياسية تستخدم لإعادة تصنيف الفضاء العالمي وفق ثنائية مبسطة بين الرأسمالية الغربية الليبرالية والرأسمالية الشرقية السلطوية. وبهذا المعنى، لا يقتصر المفهوم على وصف واقع اقتصادي معين، بل يساهم أيضاً في إنتاج تصورات سياسية وجيوسياسية عن النظام العالمي.
وتبرز أهمية هذه النقاشات النظرية عند الانتقال إلى التجربة الصينية، التي تشكل إحدى أكثر الحالات حضوراً في أدبيات رأسمالية الدولة. ففي دراسة “تراكم رأس المال والإقليمية وإعادة إنتاج سيادة الدولة في الصين: هل هذه رأسمالية الدولة الجديدة؟”، يوضح شياوبو سو وكين فان ليم أن رأسمالية الدولة الصينية لا يمكن اختزالها في مجرد تدخل حكومي في الاقتصاد، بل ينبغي فهمها باعتبارها عملية مستمرة لإعادة إنتاج السيادة السياسية عبر مشاريع التراكم الرأسمالي وإعادة تنظيم المجال الجغرافي. وتكشف دراسة إقليم يونان كيف استخدمت الدولة البنية التحتية والاستثمارات الضخمة لتحويل منطقة هامشية إلى منصة استراتيجية للتكامل الاقتصادي الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، تصبح التنمية الاقتصادية مشروعاً لبناء الدولة بقدر ما هي مشروع لتوسيع فرص التراكم الرأسمالي.
ويتعزز هذا الفهم من خلال دراسة وينينغ فو وكين فان ليم “الدور التكويني لبُنى الدولة في الارتباط الاستراتيجي: تشكل وتطور شبكات الإنتاج الصينية ـ الألمانية”، التي تُظهر أن الدولة لا تعمل فقط كجهة تنظيمية، بل تشارك بصورة مباشرة في إعادة تشكيل الأصول الاقتصادية المحلية وربطها بشبكات الإنتاج العالمية. كما تقدم دراسة كين فان ليم وشياوبو سو “بناء الأسواق عبر الحدود للسيطرة على المخدرات: تحليل بولانيي لمنطقة الحدود الصينية ـ الميانمارية“ مثالاً إضافياً على قدرة الدولة على إنشاء أسواق جديدة وإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية في المناطق الحدودية عبر توظيف الشركات الخاصة والنخب المحلية وآليات الحوكمة. وتكشف هاتان الدراستان أن الدولة المعاصرة لا تتدخل في الأسواق فحسب، بل تسهم بصورة فعالة في إنتاجها وإعادة تشكيلها.
ولا تقتصر هذه الديناميات على الصين، بل تمثل جزءاً من تحولات أوسع في الاقتصاد السياسي العالمي. ففي دراسة “وداعاً لارتباك واشنطن، أهلاً بإجماع وول ستريت: رأسمالية الدولة المعاصرة وتموضع الاستراتيجية الصناعية”، يبين سيث شندلر وإلياس علامي ونيكولاس جيبسون أن صعود رأسمالية الدولة يتزامن مع تعمق العولمة المالية بدلاً من أن يتعارض معها. فالدول تستخدم الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية كوسيلة لإعادة دمج الأقاليم في سلاسل القيمة العالمية وتعزيز التنويع الاقتصادي والتحديث الصناعي، كما هو الحال في السعودية وكينيا وتايلاند. وتشير هذه الدراسة إلى أن الدولة ورأس المال المالي العالمي أصبحا أكثر ترابطاً مما تفترضه المقاربات التقليدية.
وفي هذا الإطار الأوسع، تناقش دراسة “المنافسة الجيواقتصادية: هل ستنتصر رأسمالية الدولة؟“ التحولات التي طرأت على موازين القوة الاقتصادية الدولية نتيجة صعود النماذج التنموية التي تقودها الدولة. كما يذهب إيان بريمر في مقاله “رأسمالية الدولة تبلغ سن الرشد: هل انتهى عصر السوق الحرة؟” إلى أن الأزمات الاقتصادية العالمية كشفت حدود النموذج القائم على تحرير الأسواق، وأعادت الاعتبار للدولة بوصفها فاعلاً اقتصادياً رئيسياً. ورغم اختلاف تقييم الباحثين لمستقبل هذه الظاهرة، فإنهم يتفقون على أن الدولة استعادت موقعاً مركزياً في إدارة المنافسة الاقتصادية العالمية.
وتكتسب هذه النقاشات معناها الكامل عند وضعها في سياق التناقضات البنيوية للرأسمالية نفسها. ففي دراسة “إشكالية النظام الرأسمالي العالمي” يؤكد مهند حميد مهيدي أن الأزمات ليست أحداثاً استثنائية في تاريخ الرأسمالية، بل جزء أصيل من منطقها القائم على المنافسة وتعظيم الأرباح والسعي الدائم للنمو. ومن ثم يمكن النظر إلى التوسع المستمر في دور الدولة بوصفه محاولة لإدارة هذه التناقضات والأزمات المتكررة. كما يوفر البعد التاريخي الذي تقدمه دراسة “نشوء الرأسمالية المحلية في مصر في العصر العثماني (1517–1791)“ دليلاً على أن الرأسمالية لم تكن يوماً نتاجاً لقوى السوق وحدها، بل ارتبطت دائماً بمؤسسات سياسية وقانونية وتنظيمية ساعدت على ظهور النخب التجارية وتراكم الثروة وتوسيع النشاط الاقتصادي.
وفي المحصلة، تكشف هذه الأدبيات أن رأسمالية الدولة ليست نموذجاً استثنائياً أو مؤقتاً، بل تمثل أحد الأشكال الرئيسية التي تتجسد من خلالها الرأسمالية المعاصرة. فالدولة لم تختفِ مع العولمة كما توقعت بعض الأدبيات الليبرالية، بل أعادت تشكيل أدوارها بوصفها مستثمراً ومنظماً ومخططاً وشريكاً في عمليات التراكم الرأسمالي. ولذلك فإن فهم الرأسمالية المعاصرة يقتضي دراسة التفاعلات المعقدة بين الدولة والسوق ورأس المال ضمن سياقات تاريخية وجغرافية متعددة، بدلاً من التعامل معها بوصفها مجالات منفصلة أو متعارضة.


